مظاهرات العراق الدامية .. ما هي الأسباب؟ وما موقف القوى السياسية والدولية؟

تقرير / حامد فتحي

دخلت الاحتجاجات الشعبية في العراق يومها الرابع الجمعة، مسجلة سقوط 44 قتيلاً، وفق ما أعلنت وكالة رويترز.

كانت المظاهرات قد اندلعت يوم الثلاثاء، 1 أكتوبر احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية، وانتشار الفساد والمحسوبية. وانطلقت من بغداد ثم توسعت إلى 10 من المحافظات الأخرى. وشهدت سقوط مئات المصابين من المتظاهرين وقوات الأمن، واعتقال العشرات من المحتجين.

العراق شهد موجات احتجاجية عديدة خلال السنوات الماضية، لكن ما يميز هذه الأحداث هو اتساع موجات الاحتجاج، ومشاركة الآلاف من جميع مكونات الشعب فيها، بجانب أنها لم تأخذ منحنى طائفياً أو حزبياً.

انتفاضة شعبية

انطلقت حركة الاحتجاج عبر دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي للتظاهر ضد الفساد والبطالة وانهيار الخدمات العامة والنقص المزمن في التيار الكهربائي ومياه الشرب. بدأت المظاهرات برفع المحتجين مطالب تضمنت محاربة الفساد وحل أزمة البطالة وتحسين الخدمات، ووصلت بعد استخدام العنف من قبل رجال الأمن إلى المطالبة بإسقاط الحكومة.

المظاهرات خرجت بشكل عفوي في بغداد وتوسعت إلى مناطق أخرى، ولم يعلن أي فصيل سياسي مشاركته الرسمية فيها، مما يؤكد على طابعها الشعبي.

من جانبها ردت  قوات الأمن بإغلاق الطرق والجسور الرئيسية، كما تم فرض قيود على الإنترنت، للحد من قدرة المتظاهرين على تنظيم الاحتجاجات عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وقامت باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي لتفريق المتظاهرين.

رغم ذلك استمرت الاحتجاجات في معظم العراق، لتدخل يومها الرابع في تحدً واضح لقرار الحكومة بإعلان حظر التجوال في بغداد فجر الخميس. ومن المرجح استمرار ارتفاع حصيلة الضحايا في ظل تواصل استخدام العنف المفرط من قوات الأمن، وما تردد عن وجود ملثمين مسلحين يطلقون النار على المتظاهرين.

لا وجود للحزبية والطائفية

نأت الأحزاب السياسية بنفسها عن المظاهرات، ولم يعلن أياً منها الاشتراك فيها. وكان من اللافت للنظر غياب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر عن صدارة المشهد، بعد أن كان متصدراً لعدة سنوات في ظل وزارة المالكي وحيدر العبادي.

يُفسر غياب الصدر بسبب كون قائمته الانتخابية سائرونهي من وضعت عادل عبد المهدي على رأس الحكومة العام الماضي. إلا أن الصدر طالب نواب الكتلة البرلمانية بتعليق حضور جلسات البرلمان لحين استجابة الحكومة لمطالب المواطنين.

لكن السيد الصدر عاد وانتهج مساء الجمعة خطاباً عنيفاَ ضد الحكومة ودعاها إلى الاستقالة وإجراء انتخابات مبكرة بإشراف الأمم المتحدة.

رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، كان من أسبق السياسيين الذين أعلنوا عن دعمهم لمطالب المتظاهرين كما هدد بالانضمام إلى المظاهرات حال تقاعس الحكومة عن تلبية المطالب التي وصفها بالمشروعة.

استجابة حكومية .. ورفض شعبي

جاء أول رد فعل لرئيس الحكومة، صباح اليوم الثاني للتظاهر، حيث أوعز بإجراء تحقيق مهني على الفور، من أجل الوقوف على الأسباب التي أدت إلى وقوع قتلى بين المتظاهرين. فيما وجهت لجان الأمن وحقوق الإنسان في مجلس النواب، بفتح تحقيق في الأحداث التي رافقت الاحتجاجات.

استمرار المظاهرات دفع رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي إلى بث خطاب مسجل إلى العراقيين فجر الجمعة أكد فيه على مضي حكومته على خطى الإصلاح والعدالة الاجتماعية، مشددا على عدم الانجرار إلى الفوضى واللادولة.

وقال متوجهاً للمتظاهرين: “مطالبكم بالإصلاح ومكافحة الفساد وصلتنا. حاسبونا عن كل ما نستطيع القيام به في الأجل المباشر ولا توجد حلول سحرية، لافتا في معرض حديثه إلى أن البطالة ليست صنيعة حكومته وأنه ورث بنى تحتية مدمرة، مستنكراً تحميل حكومته مسؤولية عقودٍ من الفشل.

بالإضافة إلى ذلك أعلن عبدالمهدي عن تقديم مشروع إلى البرلمان بشأن منح كل أسرة عراقية من محدودي الدخل راتباً يكفل لهم حياة كريمة. وطالب البرلمان بإجراء تعديلات وزارية بعيداً عن المحاصصة الطائفية.

في سياق متصل اتهم الأمن العراقي جهات مجهولة بإطلاق الرصاص الحي على المواطنين، مما أدى إلى ارتفاع حصيلة القتلى، وفق تصريحات لمسؤول كبير في الشرطة الاتحادية.

من جانبهم رفض المتظاهرون بيان رئيس الحكومة، مؤكدين أنه لا يلبي طموحات الشعب. ورداً على ذلك أصدر مكتب رئيس الوزراء بياناً إلى الشعب العراقي عصر الجمعة جدد فيه العزم على حل مشكلة البطالة، ورعاية محدودي الدخل، ومكافحة الفساد والمحسوبية وتحسين الخدمات العامة.

المرجعية الدينية تدعم المظاهرات

الزعيم الأعلى لشيعة العراق آية الله علي السيستاني حث قوات الأمن على عدم استخدام القوة، وانتقد زعماء العراق لتقاعسهم عن القضاء على الفساد وخص باللوم نواب البرلمان.

وقال السيستاني في خطبة الجمعة التي ألقاها نيابة عنه ممثله أحمد الصافي في مدينة كربلاء: “إن الحكومة والقوى السياسية لم تستجب لمطالب الشعب في مكافحة الفساد أو تحقق أي شيء على أرض الواقع“.

كانت المرجعية دائمة الحرص على النأي بالنفس عن الصراعات السياسية، لكنها كانت حاضرة دوماً في الدعوة إلى الإصلاح ومكافحة الفساد، ودعمت من قبل مطالب المتظاهرين في البصرة خلال الأعوام الماضية.

قلق دولي .. تحذير إيراني

دولياً عبر ممثل مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقه إزاء التقارير التي تقول إن قوات الأمن استخدمت الرصاص الحي ضد المتظاهرين. ودعا المكتب الحكومة إلى ضمان حرية الشعب في التعبير عن شكاويه.

 

كما طالب المكتب الحكومة بأخذ مطالب المحتجين على محمل الجد، مشيراً إلى أن الحكومة مطالبة بتأمين المزيد من فرص العمل.

في السياق ذاته أعربت الولايات المتحدة عن قلقها إزاء استخدام العنف ضد المتظاهرين، ودعت السلطات العراقية لضبط النفس.

إيران كانت حاضرة في المشهد فقد حملها عدد من المتظاهرين مسؤولية سوء الأوضاع في العراق نتيجة تدخلها المستمر في العملية السياسية، واتهم أخرون قوات الحشد الشعبي التي يوالي بعضها إيران بإطلاق النار على المتظاهرين.

من جانبها أغلقت السلطات الإيرانية في وقت سابق معبري خسروي وجذابة الحدوديين مع العراق بسبب سوء الأوضاع الأمنية. كما دعت الخارجية الإيرانية مواطنيها إلى تأخير زيارة الأماكن المقدسة في العراق  للاحتفال بذكرى أربعينية الحسينلحين هدوء الأوضاع.

 وأكدت طهران على ثقتها بالحكومة العراقية والأحزاب والمرجعيات، وقدرتهم على حل الأزمة.

الأوضاع المعيشية سبب المظاهرات

لدى العراق رابع أكبر احتياطي من النفط في العالم، ولكن 22.5 في المئة من السكان الذين يبلغ عددهم 40 مليون شخص، يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم، وفقا لما قاله البنك الدولي في عام 2014.

ويعاني منزل من بين كل ستة منازل أحد أشكال انعدام الأمن الغذائي. وبلغت معدلات البطالة العام الماضي 7.9 في المئة، ولكن المعدلات بلغت ضعف ذلك بين الشباب. وتبلغ البطالة بين القادرين على العمل نحو 17 في المئة.

يتهم المتظاهرون الحكومة وكبار الموظفين والبرلمانيين بالاستيلاء على المال العام من خلال الرواتب الكبيرة والمكافآت ومستحقات التقاعد، والتي كانت محل انتقاد كبير من حملة شعبية قبل عدة سنوات.

 

 

إغلاق